معاهدة جديدة – استراليا
في الأسبوع الماضي، وقعت أستراليا والمملكة المتحدة معاهدة جديدة تُعرف بـ”معاهدة جيلونغ”، نسبةً إلى بلدة في دائرة نائب رئيس الوزراء ريتشارد مارلز. وقد تم الترويج للمعاهدة باعتبارها تعزيزًا كبيرًا لتحالف AUKUS النووي وتقويةً لبناء السفن في البلدين. ولكن، الواقع بعيد كل البعد عن هذا الخطاب المتفائل.
معاهدة ضرورية ولكن غير كافية
المعاهدة، في جوهرها، مجرد وثيقة لازمة لتسهيل الخطوات القادمة في مشروع AUKUS. فهي لا تمثل خطة بديلة سرية إذا انسحبت الولايات المتحدة في حال فاز دونالد ترامب مجددًا، بل تُعد شرطًا فنيًا لتفعيل ما يسمى بـ”المسار الأمثل”.
الاعتماد الكبير على الولايات المتحدة
رغم الحديث عن تعاون أسترالي-بريطاني متين، إلا أن نجاح الخطة بأكملها يعتمد على الولايات المتحدة. فهي التي ستزود أستراليا بثلاث إلى خمس غواصات من طراز “فرجينيا”. وهي التي ستدرّب طواقم أسترالية ضمن أسطولها النووي خلال العقود المقبلة. باختصار، أمريكا هي الطرف الذي يتحمل العبء الأكبر خلال المرحلة الانتقالية الممتدة حتى الأربعينيات.
صعوبات الإنتاج البريطاني
في الخلفية، تواجه المملكة المتحدة واقعًا عسيرًا. فجيشها يعاني من سنوات طويلة من الإهمال والتقشف. في يونيو، كشفت مراجعة استراتيجية عن “تفريغ كارثي” للقوات المسلحة البريطانية بسبب ضعف الاستثمارات.
الغواصات البريطانية الحالية، وعددها سبع فقط، تعاني من أعطال وصعوبات صيانة. ونتيجة لذلك، لم تتمكن البحرية البريطانية من إرسال غواصة واحدة لمرافقة حاملة الطائرات في تمرين “تاليسمان صابر”.
وعود طموحة.. وقد تكون وهمية
رغم هذا الواقع، أعلنت حكومة حزب العمال في المملكة المتحدة نيتها رفع عدد غواصاتها الهجومية إلى 12. بل وتعهدت بإنتاج غواصة جديدة كل 18 شهرًا. لكن الأرقام لا تدعم هذا الطموح، إذ يستغرق إنتاج غواصة من طراز “أستيوت” حاليًا من 10 إلى 11 عامًا.
أما الغواصات الجديدة من طراز SSN-AUKUS، فهي أكبر وأعقد تقنيًا، ومن المتوقع أن تستغرق وقتًا أطول. ومع تأخر برنامج إنتاج المفاعلات النووية البريطاني لثلاث سنوات متتالية، تبدو هذه الأهداف بعيدة المنال.
تحول في أولويات بريطانيا الاستراتيجية
زادت الأمور تعقيدًا بإعلان الحكومة البريطانية تخليها عن “التحول نحو منطقة الإندو-باسيفيك”. وفضلت التركيز على الأمن الأوروبي، كرد فعل على تهديدات روسيا وعدم استقرار التزام الولايات المتحدة بالدفاع عن أوروبا.
وقد يكون ظهور حاملة الطائرات البريطانية في داروين حدثًا نادرًا، إذ لم تشهد المنطقة زيارة مماثلة منذ 28 عامًا. وإن عادت، فإنها ستعاني من نقص في المقاتلات من طراز F-35B بعد أن خفضت المملكة المتحدة خطتها لشرائها لصالح طراز F-35A.
الوظائف قبل الأمن؟
تصريحات وزراء بريطانيا في زيارتهم لأستراليا عكست تركيزًا غير معتاد: الحديث عن الوظائف أكثر من الأمن. فالمعاهدة من وجهة نظرهم فرصة لجلب استثمارات قدرها 40 مليار دولار إلى الاقتصاد البريطاني، بتمويل سخي من دافعي الضرائب الأستراليين.
وزير الدفاع البريطاني قال إن الاتفاق سيؤمن وظائف لأجيال “لم تولد بعد”، مما يعيد للأذهان الخطاب الفرنسي بعد صفقة الغواصات الملغاة سابقًا.
الواقع أقسى من الخطاب
عند النظر بتمعن، نجد أن معاهدة AUKUS تواجه تحديات حقيقية. خطاب الحكومتين مليء بالحماس، لكن دون خطط صناعية أو عسكرية واقعية كافية.
بدلاً من مواجهة التحديات بصراحة، فضّلت لندن وكانبيرا تشغيل آلة العلاقات العامة على أعلى سرعة. ولسوء الحظ، الغواصات النووية لا تُبنى بالتصريحات وحدها.



