أستراليا تعزز الاعتماد – استراليا
عادت قضية التحالف بين أستراليا والولايات المتحدة إلى واجهة النقاش من جديد، خاصة بعد عودة وزير الدفاع الأسترالي، ريتشارد مارليس، من زيارة غير معلنة إلى الولايات المتحدة.
وقد تزايد الاهتمام بهذا الموضوع منذ أن تولت إدارة ترامب الثانية مقاليد الحكم، مما أثار العديد من التساؤلات حول طبيعة العلاقة المستقبلية.
وقد شغل الرأي العام مؤخراً تساؤل حول ما إذا كانت صورة مارليس مع وزير الدفاع الأمريكي، بيت هيغسيث، تمثل “صدفة” أم “لقاءً” مخططًا.
هذه المسألة، التي تعكس الفوضى التي تسود البنتاغون أكثر من كونها انعكاسًا على التحالف ذاته، تخفي وراءها سؤالاً أكثر جوهرية وإلحاحًا.
في حالة اندلاع أزمة أو صراع في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، كيف ستعمل القوتان معًا؟
هل الأدوار والمسؤوليات واضحة ومحددة؟ والأهم من ذلك، هل تخدم هذه الأدوار بالفعل المصالح الوطنية الأسترالية؟
تحدي الاعتماد على الذات والسيادة
في ظل هذه الظروف، يرى الكثيرون أن الاعتماد الأسترالي المفرط على الولايات المتحدة يجب أن يعاد النظر فيه.
يجب على أستراليا أن تسعى لتعزيز القوة الأمريكية، مع الحفاظ على قدرتها على أداء أدوار حيوية ومستقلة.
ينبغي أن تبدأ أولويات أستراليا من الداخل، أي من خلال الدفاع عن أراضيها ومصالحها التجارية البحرية. بالإضافة إلى ذلك، يجب أن تكون قادرة على دعم شركائها في منطقة المحيط الهادئ دون الحاجة إلى الاعتماد الكامل على واشنطن.
ففي نهاية المطاف، تتحمل أستراليا، كدولة ذات سيادة، المسؤولية الكاملة عن الدفاع عن نفسها.
هذا النقاش اكتسب زخمًا إضافيًا مع ورود تقارير تفيد بأن وكيل وزارة الدفاع الأمريكية للسياسة، إلبريدج كولبي، يضغط على أستراليا لتوضيح دورها في أي صراع محتمل حول تايوان.
وعلى الرغم من أن المطالبة بالتزام رسمي ومسبق قد تبدو غير واقعية، خاصة في ظل سياسة واشنطن القائمة على الغموض الاستراتيجي، فمن الواضح أن الولايات المتحدة تسعى لمزيد من الوضوح.
ومن الضروري أن تسعى أستراليا أيضًا لتحقيق هذا الوضوح.
تحالف تاريخي وتساؤلات مستقبلية
لقد كان التحالف مع الولايات المتحدة دائمًا حجر الزاوية في الاستراتيجية العسكرية الأسترالية، وقد مكن دولة يبلغ عدد سكانها 27 مليون نسمة من ممارسة نفوذ لا يتناسب مع حجمها في عصر المنافسة بين القوى العظمى.
وعلى الرغم من التوترات الأخيرة بشأن مراجعة الولايات المتحدة لاتفاقية أوكوس (AUKUS) والدعوات إلى زيادة الإنفاق الدفاعي، فقد وصل التعاون بين كانبرا وواشنطن إلى مستويات غير مسبوقة منذ الحرب العالمية الثانية.
يشمل هذا التعاون زيادة مبادرات تعزيز وضع القوات وتنامي التدريبات والتبادلات العسكرية.
تشير استراتيجية الدفاع الوطني الأسترالية لعام 2024 إلى أن “تحالف أستراليا مع الولايات المتحدة أساسي لأمننا القومي وقدرة قوات الدفاع الأسترالية على بناء قدرات عسكرية موثوقة والحفاظ عليها وإبرازها.”
هذا صحيح، ولكنه يثير تساؤلاً جوهريًا: في حالة نشوب أزمة أو صراع في منطقة المحيطين الهندي والهادئ،
هل سيتم استخدام هذه القوة كجزء من قوة بقيادة الولايات المتحدة، مع دمج الوحدات الأسترالية في القيادة الأمريكية؟
أم ستُستخدم في دور تكميلي بمهام ومسؤوليات ومناطق جغرافية محددة بوضوح؟
والأهم من ذلك، من هو المسؤول عن الدفاع عن أستراليا نفسها؟ هذا الأمر يتجاوز مجرد الدلالات اللفظية
فهو يتعلق بالمسؤولية النهائية عن توظيف السفن والطائرات والقدرات الأسترالية الأخرى.
يتعلق الأمر أيضًا بكيفية تصميم وتشغيل قوة الدفاع الأسترالية في المستقبل.
العودة إلى الوطن: تحديات الحرب على الأراضي الأسترالية
تصبح مسألة دمج القوات مقابل تحديد حدودها أكثر إلحاحًا
نظرًا لأن أستراليا في أي صراع محتمل في منطقة المحيطين الهندي والهادئ ستخوض حربها انطلاقًا من أراضيها لأول مرة منذ الحرب العالمية ال
ثانية.هذا التحول يمثل تغيرًا ثقافيًا عميقًا، أبرزه قائد قوات الدفاع الأدميرال ديفيد جونستون، الذي أشار في وقت سابق من هذا العام إلى أن
ربما نضطر أخيرًا إلى إعادة النظر في أستراليا كوطن سنخوض منه عملياتنا القتالية”.
غالبًا ما تؤكد أستراليا على موثوقيتها بالإشارة إلى أن القوات الأسترالية والأمريكية قاتلت جنبًا إلى جنب في كل صراع رئيسي منذ معركة هامل في الحرب العالمية الأولى
من أوروبا إلى العراق وأفغانستان. قد يوحي هذا التاريخ بأن العمل المشترك هو مسار معتاد، وعلى المستوى التكتيكي، هذا صحيح.
لكن من الناحية الاستراتيجية، تختلف صراعات الماضي اختلافًا كبيرًا عن تلك التي قد تواجهها أستراليا في المستقبل.
لقد بنت أستراليا مساهماتها العسكرية للقتال والتضحية على شواطئ بعيدة، حيث لم يكن الدفاع عن القارة موضع شك، ولم يكن المدنيون الأستراليون معرضين للخطر المباشر.
دروس من الماضي والواقع الحالي
المرة الوحيدة التي حاربت فيها أستراليا إلى جانب الولايات المتحدة مع تعرض دفاعاتها وسكانها المدنيين للخطر، كانت خلال حملة المحيط الهادئ في الحرب العالمية الثانية.
فبعد سقوط سنغافورة، لجأت أستراليا الضعيفة إلى واشنطن طالبة الحماية
ووضعت قواتها تحت قيادة الجنرال الأمريكي دوغلاس ماك آرثر. ورغم نجاح هذا الترتيب
فإن أستراليا اليوم دولة مختلفة تمامًا.
لقد تحررت منذ زمن طويل من قيود الإمبراطورية
وهو ما أُضفي عليه الطابع الرسمي بموجب قانون أستراليا لعام 1986، وتفخر الآن بتنوع سكاني أكبر بكثير
حيث وُلد 31.5٪ من الأستراليين في الخارج.
إن أستراليا في عام 2025 أقل استعدادًا بكثير لتسليم قيادة قواتها البحرية والجوية والبرية ودفاعاتها لقائد أمريكي
وهذا أمر حقيقي. لكن السؤال هو، هل ترى واشنطن الأمر على هذا النحو؟ هذا سؤال بالغ الأهمية
خاصة مع تزايد وجود مشاة البحرية الأمريكية وقاذفات القنابل والغواصات على السواحل الأسترالية، والتي ستحتاج جميعها إلى الحماية والدعم.
فجوة القدرات: تحدي السيادة الحقيقية
الحقيقة الأصعب هي أن أستراليا لم تمول أو تصمم قوات الدفاع الأسترالية الخاصة بها للدفاع عن القارة بشكل مستقل أو لتنفيذ مهام رئيسية دون دعم من الولايات المتحدة.
الفجوات هائلة، بدءًا من نقص القدرات الفضائية السيادية إلى محدودية الدفاع الصاروخي وبحرية مرهقة.
يعد الاستثمار في الغواصات التي تعمل بالطاقة النووية وأسطول سطحي أكبر بداية جيدة، لكن السيادة الحقيقية تتطلب المزيد.
تتطلب استراتيجية واضحة وتصميمًا للقوة يرتكز على الدفاع عن أستراليا وأدوارها الإقليمية.
يجب تصميم هذه القوة لتكون مدعومة من الولايات المتحدة في دفاعنا، وليس لدعم دفاع الولايات المتحدة عنا.
نحو تحالف أوضح وأقوى
يُعدّ التحالف الأسترالي الأمريكي، بحق، حجر الزاوية في استراتيجية أستراليا الدفاعية، وقد كانت جهود تعميق التعاون مع واشنطن حيوية.
ولكن مع تزايد لجوء الدول إلى القوة لتسوية النزاعات
يعتمد تحالف أقوى على فهم كل من الشريكين لتوقعات الآخر بوضوح. يجب تحديد الأدوار والمسؤوليات بوضوح لا لبس فيه.
ولكي تحافظ أستراليا على استقلاليتها، يتعين عليها أن تضع وتمول استراتيجية تحدد المسؤوليات بوضوح، بدلاً من الاستمرار في نشر قوة مصممة للعمل تحت قيادة أمريكية
كما فعلت في الصراعات الماضية.
هذا النهج سيضمن أن أستراليا قادرة على حماية مصالحها الوطنية بشكل مستقل وفعال، مع الحفاظ على تحالف قوي وفعال مع الولايات المتحدة.



