احتجاجات الهجرة – استراليا
شهدت أستراليا خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي، مسيرات ومظاهرات معادية للهجرة. وقد ادعى المتظاهرون أن معدلات الهجرة المرتفعة “مزقت” نسيج المجتمع الأسترالي.
في المقابل، يوضح الخبراء في مجال الهجرة أن الكثير من هذه الادعاءات لا تستند إلى حقائق دقيقة. كان زعماء سياسيون، مثل بولين هانسون وبوب كاتر، من بين المتحدثين في هذه المسيرات التي تهدف إلى “استعادة” أستراليا. وعلى الرغم من أن المنظمين نفوا أي صلة لهم بجماعات النازيين الجدد، مثل الشبكة الاشتراكية الوطنية، إلا أن قادة هذه الجماعات كانوا حاضرين وألقوا كلمات. وقد تسببت هذه المظاهرات في وقوع احتجاجات مضادة، ما استدعى تدخل الشرطة في ملبورن، حيث استخدمت رذاذ الفلفل والخيول للفصل بين المجموعتين.
الادعاء الأول: “أكثر من 1500 مهاجر يصلون يوميًا”
أحد الادعاءات الرئيسية التي روج لها منظمو المسيرة، هو أن أستراليا تستقبل أكثر من 1500 مهاجر يوميًا. وقد ذكر مذيع الراديو بن فوردهام أن هذا العدد يعادل خمس طائرات بوينج 787 دريملاينر. وأشار فوردهام إلى أن هذا المستوى من الهجرة سيضيف 1.4 مليون نسمة خلال ثلاث سنوات فقط. ولكن، يوضح المكتب الأسترالي للإحصاء أن هذه الأرقام لا تعكس الهجرة الصافية. بل هي بيانات لحركة الوافدين والمغادرين من الخارج. يشمل هذا الإحصاء المهاجرين الدائمين وطويلي الأجل عند دخولهم ومغادرتهم البلاد.
هذا المنهج الإحصائي يجعل الأرقام تبدو أكبر مما هي عليه. يشرح عبد الرضوي، نائب وزير الهجرة السابق، السبب وراء هذا التضارب. يقول رضوي إن العديد من المقيمين في أستراليا منذ فترة طويلة، مثل الطلاب، يسافرون بشكل متكرر. وفي كل مرة يدخلون فيها البلاد، يتم احتسابهم كوافدين جدد. ومن المتوقع أن ينشر المكتب الأسترالي للإحصاء أرقامه الرسمية للربع الأول من عام 2025 في شهر سبتمبر.
الادعاء الثاني: الهنود أكثر من الإيطاليين واليونانيين في خمس سنوات
ادعى منظمو المسيرة أن عدد المهاجرين الهنود الذين وصلوا منذ عام 2020 يفوق عدد الوافدين اليونانيين والإيطاليين منذ عام 1925. هذا الادعاء يستهدف الجالية الهندية بشكل مباشر. ولكن، يوضح بيتر ماكدونالد، أستاذ فخري في علم السكان، أن هذا الادعاء “تصريح غريب”. على الرغم من أن عدد المهاجرين الهنود حاليًا هو الأكبر، فإن الإحصائيات قابلة للمقارنة عندما تُقاس كنسبة مئوية من إجمالي السكان. بعد الحرب العالمية الثانية، بلغ متوسط الهجرة اليونانية والإيطالية حوالي 0.2% من سكان أستراليا سنويًا. وفي الوقت الحاضر، يبلغ متوسط الهجرة الصافية من الهند حوالي 0.22% سنويًا.
كما أشار ماكدونالد إلى أن الهجرة من إيطاليا واليونان في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي واجهت روايات مشابهة. وقد اتهم المهاجرون آنذاك بعدم الاندماج في المجتمع الأسترالي. أما الآن، فقد أصبحوا جزءًا لا يتجزأ من الثقافة الأسترالية.
الادعاء الثالث: الهجرة “استبدال، بكل بساطة”
يُروج منظمو المسيرة أن سبب زيادة الهجرة الهندية هو “الاستبدال”. وقد ردد أحد منظمي المسيرة هذا الادعاء. وادعى أن هناك أجندة عالمية تهدف إلى “استبدال” السكان الأستراليين من أصول سلتية وأوروبية. هذه اللغة ترتبط ارتباطًا مباشرًا بـ”نظرية الاستبدال العظيم”، وهي نظرية مؤامرة لا أساس لها من الصحة. وقد تبناها الإرهابي برينتون تارانت الذي ارتكب مجزرة كرايستشيرش في نيوزيلندا. يوضح عبد الرضوي أن هذه الرواية المتطرفة لا تعكس الواقع. السبب وراء العدد الكبير من المهاجرين الهنود يعود إلى طريقة اختيار أستراليا للمهاجرين المهرة.
ويضيف رضوي أن الهنود يتمتعون بمستوى عالٍ من اللغة الإنجليزية، وهي عامل حاسم في برامج الهجرة المهارية. ويرى أن عدد الوافدين الهنود قد يبدو مبالغًا فيه بسبب الطلاب. ومع ذلك، لا يبقى جميع هؤلاء الطلاب في أستراليا بشكل دائم. حيث يغادر جزء منهم، وبعضهم يصبحون مقيمين دائمين، فيما يبقى البعض الآخر عالقًا في حالة من عدم الاستقرار.
الادعاء الرابع: “الأغلبية معنا”
استشهد منظمو المسيرة باستطلاع رأي أجراه معهد لووي. ويزعمون أن 53% من الأستراليين يعتقدون أن عدد المهاجرين “مرتفع للغاية”. بالمقابل، رأى 38% من الأستراليين أن العدد “منخفض للغاية”، بينما اعتبر 7% أنه “مناسب تمامًا”. ولكن، يقدم معهد لووي سياقًا إضافيًا لهذا الاستطلاع. تشير التقديرات إلى أن أعداد المهاجرين في الواقع آخذة في الانخفاض. وقد انخفضت من ذروة بلغت 536 ألف مهاجر بعد جائحة كوفيد، لتصل إلى حوالي 300 ألف حاليًا. على الرغم من أن هذا الرقم لا يزال أعلى من توقعات وزارة الخزانة الأسترالية.
في النهاية، أظهر استطلاع آخر أجرته نفس المؤسسة في عام 2024 أن 69% من الأستراليين يرون أن التنوع الثقافي أمر إيجابي للبلاد. هذا يشير إلى أن غالبية الأستراليين يتقبلون فكرة التنوع، على الرغم من وجود قلق حول أعداد المهاجرين.



