أستراليا وريادة الفضاء – استراليا
شهدت التطورات السياسية والتكنولوجية الأخيرة تمهيد الطريق أمام أستراليا لتصبح شريكًا رئيسيًا في قطاع الفضاء التجاري الأمريكي. يجب علينا اغتنام هذه الفرصة. بين 29 سبتمبر و3 أكتوبر 2025، ستستضيف مدينة سيدني أكبر مؤتمر للفضاء في العالم، وهو المؤتمر الدولي للملاحة الفضائية (IAC).
هذا الحدث ليس مجرد فرصة لالتقاط الصور للمسؤولين في وكالة الفضاء الأسترالية (ASA) ونظرائهم في وكالة ناسا، بل هو فرصة حقيقية لأستراليا لترسيخ مكانتها كشريك أساسي في الاقتصاد الفضائي الناشئ.
شراكة “أوكوس” وآفاق جديدة للتعاون التكنولوجي
على الرغم من الانعزال المتزايد للولايات المتحدة، فإنها تستمر في مشاركة مستوى غير مسبوق من التكنولوجيا عالية الأمان مع أقرب حلفائها، أستراليا والمملكة المتحدة، من خلال شراكة “أوكوس”.
وفي حين أن اتفاقية “أوكوس” الأمنية تُعرف بمساعدة أستراليا على الحصول على غواصات تعمل بالطاقة النووية، وأدت إلى خلاف دبلوماسي مع فرنسا، إلا أن أهميتها الحقيقية تكمن في فتح الباب أمام مشاركة أوسع للتقنيات الحساسة.
وإذا كان قطاع الفضاء المدني الأسترالي ذكيًا، فإنه سيغتنم الفرصة التي تتيحها “أوكوس” لتوسيع التعاون ليشمل الصواريخ التجارية والأقمار الصناعية، بدلًا من الاقتصار على الغواصات النووية.
الفضاء لم يعد حكراً على الحكومات الكبرى
لم يعد الفضاء حكراً على الحكومات الكبرى والمهمات العلمية.
فاليوم، تدعم الأقمار الصناعية أجزاءً ضخمة من الاقتصاد العالمي، من توفير الإنترنت السريع في أي مكان في العالم، إلى تتبع الخدمات اللوجستية وسلاسل الإمداد، والتنبؤ بالمناخ، والزراعة الدقيقة.
وقد ساهم ارتفاع الطلب على هذه التطبيقات في خفض تكاليف إطلاق الصواريخ بشكل كبير.
فقد انخفضت تكلفة إرسال حمولة على أحد صواريخ “فالكون هيفي” التابعة لشركة سبيس إكس إلى حوالي 1500 دولار أمريكي للكيلوغرام الواحد، بانخفاض يزيد على سبعين بالمئة عن أكثر صواريخ ناسا اقتصاداً في عصر أبولو، وهو ساتورن 5.
وفي خضم هذه التطورات، نما قطاع الفضاء ليبلغ 630 مليار دولار أمريكي، وتقدر شركة ماكينزي أن قيمة القطاع ستصل إلى 1.8 تريليون دولار بحلول عام 2035.
القيود التنظيمية تعيق التقدم
على الرغم من النمو السريع لقطاع الفضاء المدني الأسترالي، فإن القيود التنظيمية، خاصة تلك المرتبطة بقوانين التصدير والتحكم في التكنولوجيا الأمريكية،
مثل لوائح الاتجار الدولي بالأسلحة (ITAR)، لا تزال تشكل عائقًا كبيرًا أمام الشركات الناشئة في مجال الفضاء حول العالم. فالهدف من هذه اللوائح هو ضمان عدم وقوع التقنيات العسكرية الأمريكية الهامة في الأيدي الخطأ.
لكن هذه الضوابط صارمة للغاية، فغالبًا ما تتطلب المكونات والتصميمات والبرمجيات التي تنطوي على مخاطر أمنية محدودة جدًا مفاوضات ترخيص طويلة أو تكون محظورة تمامًا.
وهذا يؤدي إلى زيادة التكاليف، وإبطاء وقت الوصول إلى السوق، وإضافة حالة من عدم اليقين
مما يجعل غالبية شركات الفضاء تفضل البدء في الولايات المتحدة، أو الانتقال إليها.
استثناء “ITAR” يفتح الباب للتعاون
في أغسطس 2024، وفي إطار اتفاقية “أوكوس”، قررت وزارة الخارجية الأمريكية أن أنظمة الرقابة على الصادرات في أستراليا والمملكة المتحدة “مقارنة” بأنظمتها، مما مكن من تطبيق إعفاء من لوائح “ITAR”.</p>
يسمح هذا الإعفاء، المادة 126.7 من اللوائح، بنقل العديد من المعدات الدفاعية والبيانات الفنية والخدمات ذات الصلة بين البلدان الثلاثة دون الحاجة إلى التراخيص الأمريكية المعتادة لكل حالة على حدة.
كان هذا الاستثناء مدفوعًا باحتياجات برنامج الغواصات النووية، لكنه يؤسس سابقة واضحة:
في المجالات التي تتوافق فيها الفوائد الاستراتيجية للولايات المتحدة وحلفائها الأقرب،
من الممكن تأمين إعفاء من لوائح “ITAR”. ويمكن لأستراليا أن تدفع لتوسيع هذا المبدأ ليشمل تقنيات الفضاء المدني.
موقع أستراليا الجغرافي ميزة تنافسية
لقد أثبتت أستراليا بالفعل أنها شريك أساسي للقوات العسكرية الأمريكية في الفضاء.
ففي حين أن محطة “باين غاب” الاستخباراتية المشتركة في أليس سبرينغز تحظى بكل الاهتمام،
أصبحت محطة هارولد هولت للاتصالات البحرية في غرب أستراليا أهم قطعة من البنية التحتية الدفاعية المشتركة.
وقد تم توسيع هذه القاعدة لتوفير قدرات لقوة الفضاء الأمريكية،
حيث يقع الآن رادار مراقبة الفضاء ومقرّب المراقبة البصري في غرب أستراليا
مما يمنح الولايات المتحدة تغطية للسماء الجنوبية لا يمكنها الحصول عليها من أراضيها.
كما أن الموقع الفريد لأستراليا على الكرة الأرضية له فوائد كبيرة لإطلاق الصواريخ، خاصة بالنظر إلى المسافة القصيرة نسبيًا من الطرف الشمالي لأستراليا إلى أعلى السماء، ووفرة الأجواء الصافية.
الاستفادة من خبرات التعدين على سطح القمر
يُعدّ تعدين الفضاء حقيقة واقعة اليوم. فقد أعلنت شركة “إنترلون”، التي أسسها مهندسون سابقون في شركة “بلو أوريجين”، عن خطط لتعدين الهيليوم-3 على سطح القمر.
فالهيليوم-3، المفيد في الحوسبة الكمومية والاندماج النووي، قد يصبح قريبًا ذا قيمة عالية.
يمتلك الأستراليون بالفعل خبرة في إدارة المناجم واسعة النطاق في المناطق النائية. وقد استثمرت وكالة الفضاء الأسترالية في شركات مثل “فليت سبيس تكنولوجيز”،
التي جمعت 150 مليون دولار أسترالي لتطوير نظامها “إكسوسفير”، الذي يمزج بين الأقمار الصناعية النانوية وأجهزة الاستشعار تحت السطحية
والذكاء الاصطناعي لرسم خرائط للأنظمة المعدنية على الأرض، مع تطبيقات يمكن أن تمتد في النهاية إلى استكشاف الموارد في الفضاء.
الطموح في الفضاء ليس المشكلة
يمكن لأستراليا أن تفعل الكثير لإعداد قطاع التعدين لديها للتعاون مع مشاريع موارد الفضاء المستقبلية.
فبناءً على خبرة صناعتنا العالمية الأكثر تنافسية، يمكن لأستراليا أن تضع نفسها كمورد رئيسي وواضع قواعد لتعدين القمر والكويكبات.
من الناحية النظرية، يشبه استكشاف الفضاء “صيد الغزلان”، حيث يمكن للصيادين مطاردة أرنب بمفردهم مقابل مكافأة صغيرة، أو التنسيق لإسقاط غزال مقابل مكافآت أكبر بكثير.
فاستكشاف حدود الفضاء يتطلب استثمارات ضخمة.
ومع ذلك، فإن لوائح “ITAR” في شكلها الحالي تمنع الشركات الأمريكية وشركاءها الأستراليين المحتملين
من تجميع مواهبنا ورؤوس أموالنا.
استثمار متبادل وتأثير ملموس
سيكون توسيع الإعفاء من لوائح “ITAR” بمثابة فوز كبير للبلدين.
فقد تم تصميم استثناء المادة 126.7 الأخير بالكامل حول الاحتياجات الدفاعية.
إن توسيع نطاقه ليشمل صراحة تقنيات الفضاء التجارية، مثل هياكل الأقمار الصناعية،
والروبوتات، وأجزاء الدفع، ومعدات المحطات الأرضية، سيمنح الشركات الأمريكية والأسترالية الثقة التي تحتاجها لبدء تدفق الاستثمار الثنائي.
ففي الفضاء، الطموح ليس المشكلة، بل عدم اليقين هو كذلك.
وإذا تمت إزالته، يمكن لأستراليا أن تساعد صناعة الفضاء الأمريكية على المضي قدمًا بشكل أسرع.



