قرارات المنع المؤقت – أستراليا
تفتح قوانين مكافحة الإرهاب في أستراليا بابًا قانونيًا حساسًا قد يسمح، عمليًا، بمنع بعض المواطنين من العودة إلى البلاد لفترات طويلة،
وربما بشكل متكرر وغير محدود. القضية عادت إلى الواجهة مع محاولة مجموعة من النساء والأطفال الأستراليين العودة من مخيمات في شمال شرق سوريا،
حيث كانوا يعيشون بعد سقوط تنظيم “الدولة الإسلامية”.
خلفية القضية
تقيم مجموعة من النساء والأطفال الأستراليين في مخيم الروج شمال شرق سوريا،
وهو أحد المخيمات التي ضمّت آلاف الأشخاص من جنسيات مختلفة بعد انهيار تنظيم ما يُعرف بـ Islamic State عام 2019.
المجموعة تضم 34 شخصًا، بينهم 11 امرأة و23 طفلًا.
معظم النساء كنّ متزوجات من رجال سافروا إلى سوريا أو العراق وانضموا إلى التنظيم.
الأطفال بعضهم نُقل إلى هناك صغارًا، وبعضهم وُلد داخل المخيم.
وزير الشؤون الداخلية الأسترالي Tony Burke أعلن أن واحدة فقط من النساء استوفت المعايير القانونية لإصدار قرار منع مؤقت من العودة، وذلك بناءً على توصيات الأجهزة الأمنية.
ما هو “أمر الاستبعاد المؤقت”؟
أُقرت أوامر الاستبعاد المؤقتة عام 2019، وتمنح وزير الشؤون الداخلية صلاحية منع أي مواطن أسترالي يبلغ 14 عامًا أو أكثر من العودة إلى البلاد إذا اعتُبر تهديدًا للأمن القومي.
يمكن إصدار هذا القرار لمدة تصل إلى عامين.
لكن القانون يمنح الشخص الخاضع للأمر حق التقدم بطلب “تصريح عودة”.
وإذا صدر التصريح، يُلغى الأمر تلقائيًا.
غير أن الوزير يستطيع فرض شروط على التصريح، من بينها تأجيل العودة لمدة تصل إلى 12 شهرًا إضافية، بهدف تقييم المخاطر المحتملة.
بالتالي، من الناحية العملية، قد يتم تقليص مدة المنع الفعلية إلى سنة واحدة في حال التقدم بطلب تصريح. إلا أن المسألة لا تنتهي هنا.
هل يمكن تكرار المنع بشكل دائم؟
النص القانوني لا يمنع إصدار أمر استبعاد جديد فور انتهاء الأمر السابق. وبذلك يمكن،
نظريًا، تجديد القرار أكثر من مرة. عمليًا، قد يتحول “الاستبعاد المؤقت” إلى منع طويل الأمد.
وفق بيانات وزارة الشؤون الداخلية، وحتى يونيو 2025، تم إصدار تسعة أوامر استبعاد فقط منذ بدء العمل بالقانون عام 2019.
خمسة منها أُلغيت، وثلاثة أشخاص عادوا إلى أستراليا بعد حصولهم على تصاريح.
مع ذلك، يثير بعض الخبراء مخاوف دستورية. أستاذة القانون في University of Sydney،
الدكتورة Helen Irving، اعتبرت أن إمكانية تجديد أوامر الاستبعاد بشكل متكرر تجعل القانون محل تساؤل دستوري.
وأشارت إلى أن حق المواطن في دخول بلاده هو من الحقوق الدستورية الأساسية، ولا ينبغي أن يخضع لتقدير إداري منفرد.
السوابق القضائية
في عام 2022، نظرت High Court of Australia في قضية مواطن مزدوج الجنسية (أسترالي-تركي)،
كانت الحكومة قد سحبت جنسيته بعد إدانته بجرائم إرهاب في سوريا، قبل أن يصدر عفو بحقه.
المحكمة رأت أن سحب الجنسية في تلك الحالة هو عقوبة لا يجوز فرضها إلا بحكم قضائي، وليس بقرار إداري.
ويرى بعض القانونيين أن مفاعيل أوامر الاستبعاد المؤقتة قد تكون مشابهة في أثرها لسحب الجنسية، إذا تحولت عمليًا إلى منع دائم.
التعقيد الإنساني
أستاذ القانون الدولي في Australian National University، الدكتور Don Rothwell،
وصف هذه الأوامر بأنها إجراء “استثنائي”.
لكنه حذر من أن تجديدها المتكرر قد يفرغ مفهوم الحق في العودة من مضمونه.
وتزداد المسألة حساسية إذا كانت المرأة الخاضعة للأمر لديها أطفال صغار.
فهل يتم السماح للأطفال بالعودة إلى أستراليا مع أقارب آخرين؟
أم يُجبرون على البقاء في المخيم مع والدتهم؟
الجواب عن هذا السؤال لا يتعلق فقط بالقانون، بل يلامس البعد الإنساني والالتزامات الدولية الخاصة بحقوق الأطفال.
بين الأمن والحقوق
يبقى التحدي الأكبر أمام الحكومة الأسترالية هو تحقيق توازن دقيق بين حماية الأمن القومي وصون الحقوق الدستورية للمواطنين.
القانون وُضع في سياق مكافحة الإرهاب. لكن تطبيقه، خاصة إذا ترافق مع تجديد متكرر للأوامر، قد يطرح إشكاليات دستورية وأخلاقية عميقة.
والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم ليس فقط عن مدى قانونية الإجراء، بل عن حدوده، وضمانات عدم تحوله إلى أداة إقصاء مفتوحة المدى بحق مواطنين يحملون جواز السفر الأسترالي.



