إعادة بناء الصناعة – استراليا
رغم تصنيف أستراليا ضمن أغنى دول العالم من حيث الثروة الفردية، فإن اقتصادها يعاني من ضعف هيكلي ملحوظ.
بحسب مؤشر جامعة هارفارد لتعقيد الاقتصاد، تراجعت أستراليا إلى المرتبة 105 من أصل 145 دولة.
قبل أقل من عشر سنوات، كانت أستراليا تحتل المرتبة 93، مما يعني أن التراجع مستمر.
يشير التقرير إلى أن السبب الرئيسي لهذا التدهور هو قلة تنوع الصادرات.
هذه الظاهرة ليست جديدة، بل بدأت منذ السبعينيات مع الاتجاه نحو اقتصاد السوق الحر والعولمة.
من التصدير الخام إلى الضعف الصناعي
اعتمدت أستراليا لعقود على تصدير المواد الخام والمنتجات الزراعية.
نتيجة لذلك، تشكل الصناعات التحويلية الآن فقط 5.1% من الناتج المحلي الإجمالي.
وهي أدنى نسبة بين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
لكن التحول العالمي نحو الاكتفاء الذاتي كشف عن نقاط ضعف هذا النموذج.
تدخّل الحكومة: استثمار أم إنقاذ؟
في ظل انهيار محتمل لعدة مصانع معالجة المعادن الأساسية، تدخلت الحكومات الفيدرالية والمحلية.
عندما دخلت شركة GFG Alliance للإدارة المالية، خصصت الحكومة الفيدرالية 2.4 مليار دولار لدعمها.
كما ساهمت حكومات ولايتين مع الحكومة الفيدرالية بمبلغ 135 مليون دولار لإنقاذ مصاهر “نيارستار” في هوبارت وبورت بيري.
في ذات الوقت، دخلت شركة “أوستال” في شراكة حكومية لتصبح الشريك البحري الاستراتيجي في صناعة السفن.
دعم صناعي أم توجه استراتيجي؟
يرى الخبير الاقتصادي روي غرين أن هذه التدخلات ليست إنقاذاً بل استثماراً استراتيجياً في المستقبل.
يوضح أن أستراليا تصدر 90% من إنتاجها من الليثيوم الخام إلى الصين.
ورغم أنها تنتج نصف الليثيوم العالمي، تحصل فقط على 0.53% من قيمته الفعلية.
يشير أيضًا إلى عناصر مثل الأنتيمون والجرمانيوم التي تصل قيمتها إلى 40,000 دولار للطن.
الصين وتراجع القدرة التنافسية
منذ إغلاق مصانع السيارات في 2017، خسرت أستراليا حوالي 400,000 وظيفة صناعية.
بدأت هذه الانهيارات بعد تقليص التعرفة الجمركية على السيارات المستوردة إلى 5%.
كما أدى ارتفاع الدولار الأسترالي خلال طفرة التعدين إلى اجتياح المنتجات الأجنبية للأسواق المحلية.
بالتوازي، تسببت صادرات الغاز بارتفاع كبير في أسعار الطاقة المحلية.
ومع الدعم الصيني الهائل لصناعاتها الثقيلة، فقدت أستراليا القدرة التنافسية في العديد من المجالات.
حتى إنتاج النيكل توقف تقريبًا بعد أن أصبحت إندونيسيا، بدعم صيني، أكبر منتج في العالم.
نحو اقتصاد صناعي سيادي
يرى غرين أن ما يحدث الآن هو مجرد بداية.
ويؤكد أن المستقبل لن يعتمد على الأسواق الحرة بل على قدرات صناعية سيادية.
لكي تتنافس أستراليا عالميًا، يجب أن تطور صناعات تحويلية تخلق قيمة مضافة.
الرهان اليوم ليس فقط على البقاء الاقتصادي بل على موقع أستراليا في سلاسل القيمة العالمية.أستراليا أمام مفترق طرق اقتصادي حاسم.
الاختيار بين استمرار تصدير المواد الخام أو بناء قاعدة صناعية مستقلة لم يعد خيارًا بل ضرورة.
الاستثمار في الصناعات التحويلية لم يعد ترفًا بل مفتاح للسيادة الاقتصادية في عالم جديد.



