ارتفاع درجات الحرارة – استراليا
إن ارتفاع درجات الحرارة والكوارث الطبيعية المتزايدة في أستراليا لم تعد مجرد قضايا بيئية. بل تتجاوز ذلك لتشكل تحديًا اقتصاديًا واجتماعيًا خطيرًا. لقد أصبحت هذه العوامل تعيد صياغة بيئة العمل بشكل كبير ومستمر. فمع تسجيل البلاد لدرجات حرارة قياسية ومواجهتها لفيضانات وحرائق أكثر شدة، بات من المستحيل تجاهل تأثير ذلك. يتزايد بشكل واضح وكبير الثمن الباهظ الذي يدفعه العمال على صعيد السلامة والإنتاجية والصحة.
التكلفة البشرية والمادية لظواهر الطقس القاسية
تظهر الأرقام أن الطقس المتطرف يكلف الأمة الكثير جدًا. إذ يبلغ متوسط الخسائر المؤمن عليها حوالي 4.5 مليار دولار سنويًا، وفقًا لمجلس التأمين الأسترالي. هذه التكلفة المادية تضاعفت ثلاث مرات تقريبًا عمّا كانت عليه في تسعينيات القرن الماضي. لكن وراء هذه الأرقام المخيفة، تكمن قصة أخرى أكثر إيلامًا. إنها التكلفة البشرية الهائلة للعمل في مناخ يزداد صعوبة وقسوة باستمرار.
من جهته، أكد أندرو هول، الرئيس التنفيذي لمجلس التأمين، أن تزايد الخسائر يعكس ضغوطًا مركبة ومتفاقمة. وقال: “لطالما واجهت أستراليا طقسًا متطرفًا عبر تاريخها”. وأضاف: “لكن تسارع الخسائر لكل فرد وتأثيرها المتراكم يمثلان تكلفة مستمرة ومكلفة للغاية”. وخلص إلى القول بأن “كل عقد جديد يُعد أكثر تكلفة من سابقه دائمًا”.
تأثير الحرارة على الإنتاجية وسلامة العمال
لا يُقاس هذا العبء المتزايد بالدولارات وحدها على الإطلاق. بل يظهر أيضًا بوضوح في تراجع مستويات الإنتاجية العامة. كما يُلاحظ في ارتفاع معدلات التغيب عن العمل وتفاقم المخاطر الصحية الكبيرة. يقع العاملون في الهواء الطلق في طليعة المتأثرين بهذه الظروف الصعبة. يشمل هؤلاء عمال البناء والمزارعين بالإضافة إلى فرق الطوارئ وسائقي التوصيل بشكل خاص.
كشفت دراسة أجرتها منظمة البحوث العلمية والصناعية للكومنولث (CSIRO) عن نتائج مقلقة. وجدت الدراسة أن الإنتاجية يمكن أن تنخفض بنسبة تتراوح بين 2% و 3% مع كل درجة حرارة تزيد عن . هذا الواقع يُجبر العاملين في القطاع الزراعي على التكيف بطرق مختلفة. يعني ذلك فترات راحة أطول وتقليل ساعات العمل وزيادة خطر الإصابة بالأمراض المرتبطة بالحرارة.
أشارت الدكتورة كاتي ريكيتس، عالمة الأبحاث الاقتصادية الرئيسية في CSIRO، إلى أمر هام. ففي ظل سيناريو ارتفاع الحرارة درجتين مئويتين، سيتطلب قطاع البستنة وحده زيادة في العمالة. ستحتاج البستنة إلى حوالي 4% إضافية من العمالة للحفاظ على مستويات الإنتاج الحالية. أوضحت ريكيتس في مقال حديث: “إذا جعلت الحرارة العمل الزراعي أصعب وأخطر، فقد يؤثر ذلك سلبًا على استقطاب العمال والاحتفاظ بهم”. واختتمت بالتحذير من أن هذا قد تكون له تداعيات أكبر بكثير على إجمالي العرض والطلب على اليد العاملة.
تحديات الإدارة والموارد البشرية في عالم يزداد سخونة
أصبح على فرق الموارد البشرية وسلامة مكان العمل تكييف كل شيء. عليهم تكييف الظروف المادية وكذلك تصميم الوظائف وجداول العمل وتخطيط القوى العاملة. لم يعد الإجهاد الحراري مسألة موسمية محصورة في الصيف فقط. بل أصبح يشكل خطرًا يمتد على مدار العام كله.
لقد أكدت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن العقد الماضي كان الأكثر سخونة على الإطلاق. هذا الوضع بدأ بالفعل يخلق عواقب صحية يمكن قياسها بوضوح. كشفت دراسة أجرتها جامعة موناش عن رقم صادم. وجدوا أن أكثر من 1000 أسترالي قد توفوا بسبب موجات الحر بين عامي 2016 و 2019. كما يتأثر أيضًا العاملون في المناطق الحضرية الكثيفة مع ارتفاع درجة حرارة المدن. تظهر بيانات جديدة من جامعة RMIT أن أجزاء من غرب سيدني وبعض مناطق ملبورن الخارجية هي الأكثر عرضة للحرارة. هذا المؤشر يجمع عوامل مثل العمر والدخل والحصول على المساحات الخضراء. الهدف هو تحديد الفئات الأقل قدرة على تحمل الحرارة الشديدة.
قالت الدكتورة ميلاني دافرن، مديرة المرصد الحضري الأسترالي: “إن التعرض للحرارة أمر معقد وواسع الانتشار”. وأكدت لصحيفة الغارديان: “الأمر لا يقتصر فقط على سكان المناطق المحرومة”. وأضافت أن هذه المشكلة “تنطبق على جميع أنحاء البلاد بصورة شاملة”. ينعكس هذا التعقيد في بيئة العمل أيضًا. يُعد كبار السن والأشخاص ذوو الظروف الصحية الموجودة مسبقًا الأكثر عرضة للمخاطر. يضاف إليهم الموظفون في الوظائف ذات الأجر المنخفض أو المهام التي تتطلب جهدًا بدنيًا كبيرًا. تتفاقم المشكلة بسبب التفاوت الاقتصادي والاجتماعي. غالبًا ما يكون الأشخاص الأكثر تعرضًا للعوامل الجوية هم الأقل قدرة على تحمل تكاليف تكييف الهواء أو ساعات العمل المرنة المريحة.
استراتيجيات التكيف والمسؤولية المشتركة
يجد متخصصو الموارد البشرية أنفسهم الآن أمام تحدٍ جديد ومحوري. يقع هذا التحدي عند تقاطع السلامة والإنتاجية والتكيف مع تغير المناخ. لم تعد الطرق التقليدية المتمثلة في توفير الظل والمياه والمعدات الواقية كافية على الإطلاق.
يدعو الخبراء إلى تبني مقاربات جديدة لإدارة العمل أثناء فترات الحر الشديد.
كما تشمل هذه المقاربات نقل ساعات العمل إلى الأوقات الأبرد من اليوم. وتتضمن أيضًا إعادة تصميم المهام لتقليل الإجهاد البدني وتحديث معايير الصحة المهنية باستمرار.
لكن كل حل يأتي معه تنازلات ومقايضات لا مفر منها. فالبدء المبكر للعمل يزيد من مخاطر التعب والإرهاق. في حين أن زيادة فترات الراحة قد تقلل من الناتج وتجهد الأجور.
تحذر ريكيتس من أن الشركات الصغيرة والمنشآت العائلية ستعاني كثيرًا. قد تكافح هذه الشركات لتحمل تكاليف هذه التعديلات الضرورية.
ويصح هذا بشكل خاص في المناطق الريفية التي تعاني أصلاً من نقص حاد في الأيدي العاملة.
كما قالت: “الخطر يكمن في أن تكون الشركات الزراعية الكبيرة فقط هي القادرة على تحمل هذا التكيف”. وأضافت: “لا نريد نظامًا زراعيًا ذا مسارين يُترك فيه صغار ومتوسطو المزارعين في الخلف”.
بالنسبة لفرق الموارد البشرية، يؤكد هذا الوضع على الحاجة الماسة إلى التوازن. يجب الموازنة بين المتطلبات التشغيلية ورفاهية العمال ومسألة استبقائهم.
مع تقدم القوى العاملة الأسترالية في السن وازدياد قسوة المناخ، ستشكل صحة الموظفين وسلامتهم المستقبل. سيشكلان بشكل متزايد محددًا رئيسيًا للإنتاجية وأقساط التأمين وسمعة صاحب العمل نفسه.
الخلاصة: المناخ ميزة أساسية لمكان العمل الحديث
يتفق الخبراء على أن التكيف مع المناخ لم يعد خيارًا بأي حال من الأحوال. إنه يتطلب تنسيقًا وثيقًا بين أصحاب العمل والحكومات والعمال أنفسهم.
تدرس بعض حكومات الولايات بالفعل إصلاحات. هذه الإصلاحات تشمل رسوم خدمات الطوارئ ولوائح سلامة مكان العمل. الهدف هو تخفيف الضغوط المالية والامتثال.
لكن على أرض الواقع، يتحمل مديرو الموارد البشرية العبء الأكبر من التنفيذ. يتحملون مسؤولية مراجعة السياسات وتثقيف العمال والتخطيط للمستقبل الأكثر سخونة.
كما توضح البيانات حقيقة واحدة بصورة جازمة. فمع ارتفاع درجات الحرارة وتزايد الظواهر الجوية المتطرفة، سيواجه سوق العمل الأسترالي ضغوطًا غير مسبوقة إطلاقًا.
لم يعد بإمكان أصحاب العمل التعامل مع تأثيرات المناخ كعامل خارجي غير مهم. بل أصبحت هذه التأثيرات ميزة أساسية ومحددة لمكان العمل الحديث.
سيعتمد مستقبل القوى العاملة بشكل كامل على مدى فعاليتنا في التكيف.



