أعادت الحكومة الأسترالية في 26 أكتوبر 1985 ملكية موقع “أولورو” المقدس إلى أصحابه الأصليين من قبيلة “بيتجانتجاتجارا”، إحدى المجموعات المنتمية إلى مجتمع “أنانغو”.
شكل هذا القرار محطة تاريخية في مسار الاعتراف بحقوق السكان الأصليين في أستراليا، لا سيما أنه جاء بعد سنوات من المطالبات والمفاوضات حول الأرض والهوية والذاكرة. بموجب الترتيبات التي أعقبت إعادة الملكية، أُعيد تأجير الموقع للحكومة الاتحادية لمدة 99 عاما، ليبقى ضمن حديقة وطنية تدار بالشراكة بين مالكيه التقليديين وهيئة الحدائق الوطنية الأسترالية.
يتمتع “أولورو”، هذا التكوين الصخري الرملي الأحمر الفريد، والمعروف أيضا باسم “صخرة آيرز”، بأهمية ثقافية وروحية كبيرة جدا لدى الشعوب الأصلية في أستراليا، وبخاصة قبيلة “بيتجانتجاتجارا”. هو ليس مجرد معلم طبيعي مبهر يتغير لونه عند الشروق والغروب، بل مركز حي لتقاليدهم، ونقطة تواصل مع أرواح الأسلاف، ومصدر للمعرفة حول العالم والكون والقانون. يعد الموقع، إلى جانب “كاتا تجوتا” المعروف أيضا باسم “ذا أولغاس”، جزءا من مشهد ثقافي وطبيعي مسجل في قائمة التراث العالمي لليونسكو، وقد أُدرج أولورو ضمن التراث العالمي عام 1987، ثم أُعيد تصنيفه لاحقا بوصفه مشهدا ثقافيا عام 1994.
زمن الأحلام وكائنات الأسلاف
وفقا لأساطير شعب “أنانغو”، شهد موقع “أولورو” المقدس خلال “زمن الأحلام” أو عصر الخلق رحلات كائنات أسطورية من الأسلاف، مثل “كونيا””، امرأة الثعبان الضخم، و”مالا”، حيوان الولب الأرنبي، و”ليرو”، الثعبان البني. جابت هذه الكائنات الأرض، وشكّلت تضاريسها، وأوجدت الحيوانات والنباتات، ووضعت تقاليد البشر وأعرافهم وقوانينهم. يُنظر إلى “أولورو” و”كاتا تجوتا” على أنهما دليل ملموس على تلك الأعمال العظيمة، وشاهدتان على قوة الأسلاف وحضورهم المستمر في العالم.
يُعد هذا التكوين الصخري مصدرا للطاقة الحيوية والمعرفة؛ فكل شق أو كهف أو سمة جيولوجية فيه ترتبط بأسطورة محددة تفسر نشأة المعالم الطبيعية، والتقاليد، والمحرمات الاجتماعية. يؤمن أفراد قبيلة “بيتجانتجاتجارا” بوجود “مصدر للطاقة المقدسة” داخل “أولورو”، كما يعتقدون أن بعض الكهوف تعمل بمثابة “ممرات إلى عالم الأرواح”. لهذا فإن الزائر لا يقف أمام منظر طبيعي فحسب، بل أمام فضاء رمزي تتداخل فيه الجغرافيا بالأسطورة، والمادة بالروح، والتاريخ بالقانون.
الطقوس والمحرمات
يرتبط “أولورو” بالعديد من الطقوس والمراسم، ويظل بعضها سريا للغاية ولا يُكشف عنه أبدا، حفاظا على قدسيته واستمرارا لنظامه الثقافي. من الأمثلة على ذلك طقس سري يُعرف بـ “استمداد القوة”، يتضمن التأمل، وإنشاد الأغاني التقليدية، ورسم رموز على الأرض، وذلك بهدف ربط الصلة مع أرواح الأسلاف. لا تنفصل هذه الطقوس عن قواعد السلوك واحترام المحرمات في محيط الموقع، وهي قواعد يلتزم بها أبناء المجتمع باعتبارها جزءا من القانون الحي، لا مجرد عادات قديمة.
أساطير الصخرة
نشأت حول صخرة “أولورو” العديد من الأساطير التي تفسر أصلها، وخصائصها الفريدة، وقواعد السلوك التي يجب اتباعها في محيطها. منها “أسطورة الصبيان”، التي تروي أن صبيين صنعا “أولورو” من الطين بعد هطول الأمطار. بعد انتهائهما من اللعب، توجها إلى “جبل كونر”، حيث لا يزال جسداهما موجودين حتى يومنا هذا، وقد تحولا إلى صخور على قمته.
تتحدث الثقافة المحلية أيضا عن حروب دارت بين الأرواح حول “أولورو”؛ ولا تزال آثار تلك المعارك، المتمثلة في أخاديد ومنخفضات، مرئية على الصخرة. من ذلك أسطورة قبيلتين من أرواح الأسلاف، تروي أن إحدى مجموعات الأرواح دعت مجموعة أخرى إلى وليمة، لكن المدعوين لم يحضروا لانشغالهم بمراقبة سحلية جميلة من نوع “السحلية النائمة”. غضب المضيفون وألقوا تعاويذ سحرية بعثت الحياة في الصخور، فاندلعت معركة قُتل فيها قادة القبيلتين، وتحولت الأرض التي ارتفعت بفعل الدماء المسفوكة إلى صخرة “أولورو”.
كما تقول أسطورة السحلية “لونغكاتا” إن سحلية ذات لسان أزرق، اتسمت بالطمع وعدم الأمانة، وصلت إلى “أولورو” قادمةً من الشمال وسرقت لحمًا من طائر “الإيمو”. يعتقد السكان الأصليون أن الأثر الذي تركه ذيلها المحترق لا يزال ظاهرا على الصخرة.

حظر التسلق والإدارة المشتركة
في عام 2017، قرر مجلس إدارة حديقة “أولورو-كاتا تجوتا” الوطنية، بعد مناقشات مستفيضة، عدم السماح بتسلق الصخرة اعتبارا من 26 أكتوبر 2019. جاء هذا القرار مراعاة لحق السكان الأصليين في تقرير مصيرهم، وضرورة الحفاظ على قدسية الموقع، واستجابةً لمطالب المالكين التقليديين الذين طالما أكدوا أن التسلق ليس مجرد نشاط سياحي، بل انتهاك رمزي لقانون المكان وقدسيته.
قلب ثقافة أنانغو
بالنسبة لشعب “بيتجانتجاتجارا”، لا تُعدّ “أولورو” مجرد معلم طبيعي مبهر فحسب، بل هي جزء حي من هويتهم، ومصدر للمعرفة، ورابط يربطهم بعالم الأرواح.
من حيث الجوهر، تُعدّ “أولورو” قلب ثقافة شعب “أنانغو”؛ حيث لا انفصال بين العوالم الروحية والقانونية والمادية. هذه الأساطير ليست مجرد قصص عادية؛ إنها القانون الحي للسكان الأصليين، وعلامة على وجود الأجداد، والمكان الذي لا يمكن فيه التصرف حسب تقدير المرء الخاص، بل وفق احترام عميق لتاريخ المكان وقدسيته.





