أزمة الغاز – استراليا
بينما عاد نواب البرلمان الأسترالي إلى مقاعدهم، بدأت حملات الضغط السياسي خلف الكواليس تأخذ منحى متسارعًا.
وبالرغم من أن الأنظار تتجه نحو المنتدى الاقتصادي الشهر المقبل، إلا أن هناك معركة أكثر إلحاحًا تدور حاليًا في كانبرا.
شركة سانتوس، عملاق النفط والغاز ومقرها أديلايد، باتت في قلب هذه الأزمة.
فمنذ هذا الأسبوع، أصبح من حق الشركة أن تعرض نفسها للبيع لأي مشترٍ محتمل، ولمدة أسبوعين على الأقل.
أكبر صفقة نقدية في تاريخ أستراليا
في يونيو الماضي، أعلنت شركة سانتوس أنها تلقت عرض استحواذ ضخم بقيمة 36.4 مليار دولار من تحالف تقوده جهتان مملوكتان لدولة الإمارات.
ويُعد هذا العرض، إذا ما تم، أكبر عملية استحواذ نقدية في تاريخ أستراليا.
الحكومة الفيدرالية، وبالأخص وزير الخزانة جيم تشالمرز، تجد نفسها في موقف سياسي حساس.
فالتداعيات الاقتصادية والسياسية لهذه الصفقة قد تكون بعيدة المدى.
سجل مثير للجدل لشركة سانتوس
على مدى عقود، أثارت سانتوس سخط المستثمرين والسياسيين والمجتمع التجاري.
والسبب الرئيسي هو دورها في تقليص إمدادات الغاز للسوق المحلي الشرقي الأسترالي.
منذ أكثر من عشر سنوات، ضاعفت سانتوس استثماراتها في منشآت التصدير قبالة سواحل كوينزلاند.
لكن التقديرات المتعلقة بكميات الغاز المتوفرة كانت خاطئة.
لم تستطع الشركة الوفاء بالتزاماتها التصديرية، فلجأت إلى تصدير الغاز المحلي بدلاً من تلبية احتياجات السوق الداخلي.
تداعيات التصدير على المستهلكين
مع فتح سوق الغاز للتصدير منذ أكثر من عقد، ارتفعت الأسعار بشكل هائل.
فأسعار الغاز، وهي مكون أساسي في تكلفة الكهرباء، تضاعفت ثلاث وأربع مرات في بعض الفترات.
وقد حاولت التحالفات من الصناعات، والنقابات، والحكومات المتعاقبة كبح جماح شركات التصدير دون جدوى.
وتُجري هيئة المنافسة والمستهلك الأسترالية (ACCC) مراجعة مستمرة منذ عام 2017 وحتى 2030.
ثلاثة رؤساء وزراء – ترنبول، موريسون، وألبانيزي – هددوا هذه الشركات بإجراءات مثل فرض تسعير قسري وضمانات توريد.
التوقعات تنذر بالخطر
وفقًا لتقرير ACCC الأخير، من المتوقع حدوث عجز في إمدادات الغاز في الربع الأخير من عام 2025.
الهيئة توقعت عجزًا بمقدار 2 بيتاجول إذا استمر منتجو الغاز في تصدير الكميات غير المتعاقد عليها.
وتشير التوقعات طويلة المدى إلى أن سوق الساحل الشرقي سيعاني نقصًا حادًا في الغاز خلال 18 شهرًا.
وقد يستمر هذا الوضع المؤلم لعقد كامل.
صفقة أبوظبي تثير الشكوك
رغم كل الضجيج، لا يثق المستثمرون بإتمام الصفقة.
أسهم سانتوس تُتداول بسعر 7.78 دولار، بينما عرض الشراء يبلغ 8.89 دولار.
ويعزى التشكيك إلى البُعد السياسي الحساس للصفقة، خاصة في ظل تبعات أسعار الطاقة المرتفعة على تكاليف المعيشة.
كما أن تسليم أصول حيوية في قطاع الطاقة لحكومة أجنبية، وفي ظل أزمة قائمة، يُعد أمرًا مقلقًا.
خاصة أن هذا يتعارض مع سياسات “صنع في أستراليا” التي تعتمد على طاقة ميسورة لدعم الصناعة المحلية.
الغاز والتحول الطاقي
رغم اعتبار الغاز وقودًا انتقاليًا، إلا أن الاعتماد عليه سيستمر لفترة أطول مما كان متوقعًا.
وبالتالي، لا يمكن السماح بأزمات نقص الغاز المتكررة وسط هذه المرحلة الانتقالية الحساسة.
الشركاء في الصفقة ودورهم الغامض
يقود الصفقة شركتان إماراتيتان، إلى جانب شركة الأسهم الخاصة الأمريكية “كارلايل”.
لكن الدور الذي ستلعبه “كارلايل” لا يزال غير واضح.
ربما تساعد في التمويل العالمي للصفقة، أو قد تكون بوابة لواشنطن بفضل احتياطيات سانتوس في ألاسكا.
ومع ذلك، تفاجأ مراقبون بعدم تحالف المستثمرين الخليجيين مع شريك أسترالي محلي، مما قد يصعّب اجتياز العقبات التنظيمية.
صفقة سانتوس تندمج مع أزمة الغاز في لحظة حرجة للاقتصاد الأسترالي.
وما بين تضخم أسعار الطاقة، وتحولات السوق، والاعتبارات السياسية، تبقى كل الخيارات مطروحة.
مستقبل الطاقة في أستراليا يتوقف على كيفية التعامل مع هذه الصفقة.



