تحقيق التوازن – استراليا
في ظل التصاعد المتسارع للمنافسة الجيوسياسية، تواجه أستراليا تحديًا كبيرًا يتمثل في ضرورة الموازنة بين السيادة الوطنية والابتكار العالمي في مجال سلاسل التوريد الدفاعية. فبينما تسعى البلاد لحماية قدراتها السيادية، قد تؤدي القيود الصارمة إلى إعاقة الابتكار الذي تحتاجه بشدة للحفاظ على تفوقها الاستراتيجي.
قيود صارمة تؤدي إلى نتائج عكسية
أشارت مراجعة الدفاع الاستراتيجية لعام 2023 إلى أنه لم يعد بإمكان أستراليا الحفاظ على تفوق تقني إقليمي بمفردها. فالمنافسون العالميون يسرّعون من دمج التكنولوجيا التجارية في القدرات العسكرية، خصوصًا في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي والروبوتات والحوسبة الكمية.
لكن رغم هذا الواقع، تواصل أستراليا اتباع نهج حذر في المشتريات الدفاعية. ففي بعض الأحيان، تؤدي إجراءات الحماية المفرطة إلى تأخير عمليات التوريد أو زيادة تكاليفها أو حتى حرمان البلاد من تقنيات ضرورية.
تجارب دولية مشابهة
الولايات المتحدة والمملكة المتحدة واجهتا قرارات مشابهة. في عام 2017، حظرت الولايات المتحدة طائرات DJI الصينية رغم شعبيتها. وتبعتها أستراليا. وفي 2018، استُبعدت شركة هواوي من تطوير شبكات الجيل الخامس بسبب مخاوف أمنية، وهو ما كررته لاحقًا دول الحلفاء.
توضح هذه الأمثلة أن استبعاد الشركات قد يحمي الأمن، لكنه قد يمنع الوصول إلى تقنيات متقدمة تفوق في بعض الأحيان الأنظمة العسكرية التقليدية.
حلول مقترحة لتعزيز المرونة والسرعة
من أجل تحقيق التوازن المطلوب، يجب على أستراليا اعتماد آليات مشتريات أكثر مرونة. يجب التمييز بين التهديدات الواضحة والمخاطر القابلة للإدارة، وعدم اللجوء إلى الإقصاء الكامل.
أحد الحلول يتمثل في تشكيل فرق مشتركة لاقتناء الابتكار عبر شراكة أوكوس (AUKUS)، لتقييم مقترحات الشركات التقنية ذات الاستخدام المزدوج بسرعة وكفاءة. هذه الفرق تساعد في تسريع دمج أنظمة مستقلة وذكاء اصطناعي آمن في المنظومات الدفاعية.
دعم الابتكار الآمن من خلال الاستثمار والتحالفات
يمكن إنشاء صندوق استثماري متعدد الجنسيات على غرار صندوق الابتكار التابع للناتو، لدعم الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا المزدوجة الاستخدام مع التأكد من خلوها من رؤوس أموال معادية.
داخليًا، يمكن توسيع برنامج الأمن الصناعي الدفاعي الأسترالي (DISP)، مع اعتماد نظام تدريجي لتسريع اعتماد المورّدين الموثوقين، مع الحفاظ على معايير الأمان.
تحديث نظام مراقبة الصادرات وتسهيل التعاون
رغم التقدم في إنشاء نظام ترخيص مشترك بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأستراليا، لا تزال هناك عقبات بيروقراطية. لذا، يجب تبسيط تصنيفات التصدير والمسارات التنظيمية لتعزيز التعاون في مجالات مثل أشباه الموصلات والاتصالات المؤمنة.
كما أن برامج مثل مسرّع القدرات الاستراتيجية المتقدمة الأسترالي ووحدة الابتكار الدفاعي الأمريكية تشكل قاعدة مناسبة لتبادل الخبرات حول النماذج التعاقدية السريعة واستقطاب المواهب.
استثمارات محلية في تقنيات أساسية
رغم أهمية التعاون الدولي، لا بد من استثمار محلي مستهدف في تقنيات لا يمكن المساومة عليها. تشمل هذه المجالات تصنيع الرقائق، واختبار أمان الذكاء الاصطناعي، ومراكز دمج الأنظمة الآمنة.
استراتيجية متعددة الطبقات
لا يعني هذا النهج الانعزال عن الاقتصاد التكنولوجي العالمي، بل يتطلب استراتيجية متعددة الطبقات تدمج الاستثمار المحلي مع التعاون والتحكم بالمخاطر. يجب أن تحتفظ أستراليا بقدرة محلية على التقنيات الأساسية مثل البنية التحتية الفضائية وأشباه الموصلات والكمومية، مع الاعتماد على الشركاء الموثوقين في بقية المجالات.
خطوات عملية لتفعيل الرؤية
-
تشكيل خلايا اقتناء مشتركة لتوحيد المتطلبات الدفاعية.
-
إنشاء صناديق ابتكار موثوقة لتمويل التقنيات المزدوجة الاستخدام.
-
تعزيز برنامج DISP ليشمل الشركات الصغيرة والمتوسطة وشركاء دوليين.
-
استثمار داخلي في تقنيات حيوية مثل الروبوتات والاتصالات الفضائية الآمنة.
من خلال هذا النموذج المتوازن، يمكن لأستراليا تحقيق الأمن دون التضحية بالابتكار. فالنجاح في عصر التقنيات المتسارعة سيتحقق للدول التي تتبنى المرونة، وتحسن إدارة المخاطر، وتبني جسور التعاون بدلاً من العزلة.



