الرئيسيةأهم الأخبارشوقي مسلماني: شاعر دوزن القصيدة بين الغربة والوطن

شوقي مسلماني: شاعر دوزن القصيدة بين الغربة والوطن

د. ممدوح سكرية

الشاعر اللبناني شوقي مسلماني، ابن قرية كونين في جنوب لبنان، هاجر إلى أستراليا عام 1977 وهو في العشرين من عمره. ومنذ لحظة وصوله إلى القارة الأسترالية، لم يفارق القلم، فبنى من غربته عالماً من الكتابة، خط فيه العاطفة والذكريات والحنين، وشاد أهرامات من الشوق والحب. قصيدته فعل حياة وأمل، تزهر رغم ألم الغربة، وتنتمي إلى النثر الغني بالأبعاد والطبقات المتعددة.

على الصعيد المهني، عمل مسلماني في مصلحة سكك حديد نيو ساوث ويلز كمساعد محطة (Station Assistant) في عدد من محطات قطارات سيدني، منها: كرونيللا، سيدنهام، وسنترال ، أكبر محطة قطارات للمسافرين في أستراليا، حيث تنطلق القطارات نحو جميع الاتجاهات عبر 25 خطاً. كما عمل في إنفيلد، أكبر ساحة (Yard) لربط وتحويل قطارات الشحن في جنوب شرق آسيا، التي تصل خطوطها إلى مختلف الولايات الأسترالية، من برزبن وملبورن إلى أديلايد وبرث.

وخلال عمله في إنفيلد، تعرض لحادث خطير نجا منه بأعجوبة، حيث نقل بعد منتصف الليل إلى مستشفى كانتربري في سيدني.

كان مولعاً بصيد السمك، مغامراً حقيقياً بشهادة كل من عرفه. وهو نفسه يعترف بأنه أكثر من مرة واجه الخطر بسبب تقلبات البحر المفاجئة. يتذكر أن أخطر ما مرّ به كان حين وجد نفسه وحيداً في قلب المحيط على متن قارب صغير “دينغي بوت”. ويصف تلك التجارب بأنها مزيج من الجهل، وقوة القلب، وإدمان البحر، واندفاع الشباب المغامر.

أمام مرآة كبيرة تطلع إلى ماضيه، فرأى ما رآه من مشاهد مألوفة وأخرى غريبة، لذيذة ومرة، سهلة وقاسية. ومع ذلك، ظل على قيد الغربة شاعراً حتى اللحظة. فالقصيدة بالنسبة له لم تكن مجرد كلمات، بل هي المشهد والنبض الذي يخفق لوطنه الأم. لم تغب قصيدته يوماً عن مناجاة الزمن الممتدّ بين وطنين، بين لبنان وأستراليا.

أصدر خلال مسيرته العديد من المجموعات الشعرية مثل: “رأس الدم”، “المكان للغراب أيضاً”، “أن ينتبه من رقاده دم أحمر”، و**”ضوء آخر”. كما نشر كتباً نثرية من بينها: “أحمرة وحمرات”، “الكنغارو العربي”، “كلّ نظرة عين”، و”من واحد لواحد”**. وهو أيضاً صاحب أول أنطولوجيا باللغة العربية عن الشعر الأسترالي بعنوان “عندما ينظر الله في المرآة”، التي ضمت قصائد لأكثر من عشرين شاعراً وشاعرة، سبق أن نشرت تباعاً في صحيفة النهار البيروتية بصفحاتها الثقافية اليومية وملحقاتها الأسبوعية.

أما زيارته الأولى إلى وطنه بعد غياب متصل دام أكثر من 34 عاماً فكانت عام 2012، حين عاد إلى بيروت وجنوب لبنان وإلى قريته كونين. هناك شعر وكأنه يطأ الأرض لأول مرة؛ كل شيء تغير، وكل زاوية بدت غريبة عنه. وهنا يبرز السؤال: ماذا يقول شاعر المهجر عن الهجرة والتهجير، عن وطن غادره في مطلع شبابه وعاد إليه كهلاً؟ لقد قال الكثير، وما تركه في مجموعاته المختلفة بعض من هذا البوح والاعتراف.

وهنا بعض من كتاباته في مجموعات مختلفة:

(رجاءٌ)

ينام علَّ جرحاه يهدأون

علَّ الرياح تكنّ

علَّ موتى يغادرون

مخرتْ سفنٌ طويلاً رأسَه

وعليه الآن أن يستريح.

(حيث الذئب)

أنا أيضاً

طيري لم يعد

من رحلته بعد،

أبحثُ بصمتٍ عن نجمةٍ

أضاءتْ مرّةً واختفت.

رأيتُ فراشاتٍ تُذبح،

أحلاماً مرتجفةً، موحلةً

في أزقّةٍ غريبة،

رأيتُ عرباتٍ يدفعها النمل

وعسساً يسرقونَ حمولتها.

أرتقُ الثقوبَ بالجنون.

الممسوسُ بعشقِ الشمس: رفيقي

النمرُ الجائعُ، الأكتعُ: رفيقي

المحقونون بالنسيان: رفاقي

والصحراء لي.

المطرُ الأخضرُ الطالعُ في السفوح

حيث الذئب منتظرٌ طيراً لم يعد.

أخرجُ من الغبار

وأجرُّ عمياني.

(شقائق وخواطر)

الأمل يجعلُكَ تصدّق،

يجعلُكَ ترى ماذا تريد.

حلمُك

لن لا يراه أحد غيرك.

الميْت

من مات الحلمُ فيه.

السيءُ

ألاّ تكون في سجلّك حكاية.

السيء

لا مبالاة المتعولِم.

تحسّنَ خطُّه

فبدأتْ ترتجف يدُه.

القائد يخوضُ

غمارَ الأعمالِ المجيدة.

داعية

في كلّ خطيب.

التعافي بحاجة إلى شباب

عندهم  أو لهم أو فيهم نظرٌ.

الحقيقةُ

هي قوّة ناشطة

في تربةِ الإنسانيّة.

قلْ روايتَك

مِنْ دونِ التأثّر

بما يُروى عنك.

لا وقتَ للفيزياء بعدُ

كي تهدرَهُ على الميتافيزيق.

يقولون: ناسوت ولاهوت،

ونحنُ الناسوت فمَنْ هم اللاهوت؟.

المقلِّد

هو الذي يترك غيرَه

يفكّر عنه.

ومِنْ سُوءِ حظِّ المثاليّة

أنّ الفيزياءماديّة!.

(لحظة)

الدرسُ لا ينتهي،

وكم سنحتاج للحظّ.

ثلثا الحظُّ السيىء هو الإهمال،

والمختلُّ يقولُ إنّه العاقل.

(ديكُ الرأس)

مِنْ أينَ تبدأ؟،

مِنْ حافّةٍ في الرأس؟،

مِنْ فوّهةِ بركانِ الرأس؟،

مِنْ مكْرِ الرأس؟،

أم مِنْ كراماتٍ للرأس؟،

أم مِنْ شظيّة،

وفي الرأس مَن يستأصلُ بدأبٍ

زهرةَ الحياة؟،

وفي الرأسِ ثعلب،

وفي الرأس أخرق، الخواءُ وصداه،

نصفُ الرأس، ما خلفَ ظهرِ الرأس

وديكُ الرأس.

من أين تبدأ؟،

ممّا في الرأسِ يختبئ

ذعراً مِنْ كثيرِ ما يكون؟،

مِنْ بكاء أم ممّا يتردّد

في أن يكون وجهاً؟،

أم ممّا في الرأس

مِنْ أوبئة وكأسٍ محطَّم؟.

أمامك كاتمُ صوت،

مَنْ يفتخر أنّه بلا صوت،

مَنْ لا ينتبه أنّه بلا صوت،

مَنْ يصلّي لكي لا يكون له صوت

ومَنْ يزمجر إذا رأى صوتاً

سيعدمه عمرَه.

وفي الطريق

عيونٌ وقحة، تبتسم،

تلدغُ، تتثاءبُ وتنام.

(عين الزجاج)

أيّكما ليس الآخر،

أيّكما لم يحدِّقْ بعينين مذعورتين،

ليس هو في دائرةِ الهدف

ولم يطلبْ مكاناً آخر؟.

كم مضى من الوقت

وأنتما على هذه الحال؟،

أنتَ تصمُّ أذنيك وهي تصمُّ أذنيها،

أنت خائفٌ وهي خائفة،

لا وجه لك ولا وجه لها،

كلُّكَ أسفٌ وكلُّها أسف.

لا، لا يد فوقَ اليدِ الزجاج

ولا عين فوقَ العين المجرمة.

موتى)   

هكذا

على كرسيّ الإنتظار

لا أفارق كرسيّ

وفي الجهةِ المقابلةِ رأسي

وجهي، أنفي، ساقاي الطويلتان

ساعة ومشيت

أيضاً

على كرسيّ الإنتظار

في الجهةِ المقابلةِ رؤوسٌ

عيونٌ، دوائر

موتى

عينان مغمضتان

كرسيّ، وريح تصفق الأبواب.

(مجنون)

الغريبُ

يمسّد شعرَ الوحدة

يظنّ أنّ الله قريب

فيقصّ القصص

يظنّه العابرون مجنوناً

فيصمت.

 

مقالات ذات صلة
- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات