لم يكن نجاح المنتخب الأسترالي لكرة القدم (السوكروز) في كأس العالم مجرد إنجاز رياضي يُحتفى به، بل حمل رسالة أعمق تؤكد أن أبناء المهاجرين واللاجئين ليسوا غرباء عن مستقبل أستراليا، بل هم جزء أصيل من قصتها الوطنية.
فعندما أطلق الحكم صافرة النهاية معلناً فوز أستراليا المفاجئ على تركيا في مباراة كأس العالم يوم الأحد، عمت الاحتفالات أنحاء البلاد.
احتشد آلاف المشجعين في ساحة فيدريشن سكوير في ملبورن، وامتلأت الحانات والمقاهي بالمشجعين الذين ارتدوا اللونين الأخضر والذهبي، واستمرت الأندية الرياضية في الاحتفال حتى ساعات متأخرة من الليل، بينما اجتمعت العائلات أمام شاشات التلفزيون في منازلها من بيرث إلى بريزبن. وتعانق أشخاص لم يلتقوا من قبل، وارتفعت الأعلام في كل مكان، وصدحت أبواق السيارات احتفالاً بهذا الانتصار.
كان الفوز مهماً بلا شك، لكن المشاعر التي رافقته كانت أكبر من مجرد نتيجة مباراة.
فللحظات قليلة، شعر أشخاص يعيشون في ضواحٍ مختلفة، ويعملون في مهن متنوعة، ويحملون آراء متباينة حول معظم القضايا، بأنهم ينتمون إلى قصة واحدة… قصة أستراليا.
لقد شعروا جميعاً بالانتماء.
ولعل هذا ما يفسر المكانة الخاصة التي تحتفظ بها الرياضة في المجتمع، رغم الطابع التجاري المتزايد الذي يحيط بها.
فقد تباع حقوق البث، ويشتري المستثمرون الأندية، وتغطي شعارات الرعاة الملاعب والقمصان، لكن يبقى هناك شيء إنساني لا يمكن شراؤه أو بيعه. فالناس لا يبحثون فقط عن الترفيه، بل يبحثون عن الشعور بالانتماء والتواصل.
ويعكس منتخب السوكروز الحديث، في كثير من جوانبه، صورة أستراليا المعاصرة.
فقصص لاعبيه بدأت في بلدان وثقافات مختلفة، وبعضهم نشأ في ظروف يصعب على كثير من الأستراليين تخيلها.
فبعضهم أبناء مهاجرين، وآخرون أبناء لاجئين، بينما أمضى بعضهم سنواته الأولى في مخيمات اللاجئين قبل أن تستقر عائلاتهم في أستراليا بعد فرارها من الحروب والاضطهاد وعدم الاستقرار.
ورغم اختلاف بداياتهم، فإن وجهتهم كانت واحدة… أستراليا.
وغالباً ما تدور النقاشات السياسية حول اللاجئين بلغة المخاطر والتهديدات، إلا أن خلف هذه النقاشات توجد حياة حقيقية وقصص إنسانية تستحق أن تُروى.
فقد وُلد أوير مابيل في مخيم للاجئين في كينيا بعد فرار أسرته من جنوب السودان، بينما وُلد محمد توريه في غينيا بعد هروب عائلته من الحرب الأهلية في ليبيريا. أما نيستوري إيرانكوندا فقد وُلد في مخيم للاجئين في تنزانيا قبل أن يصل إلى أستراليا وهو طفل، ليصبح لاحقاً أصغر لاعب يسجل هدفاً للمنتخب الأسترالي في كأس العالم. كما انتقل ميلوش ديجينيك إلى أستراليا بعد أن عانت أسرته من ويلات حروب البلقان.
وغالباً ما يُنظر إلى قضايا اللاجئين من زاوية سياسية، لكن قصص لاعبي السوكروز تذكرنا بأن الانتماء ليس شيئاً يولد مع الإنسان، بل هو شعور يُبنى مع مرور الزمن.
فعلى مدى أجيال، وصل أشخاص إلى السواحل الأسترالية بحثاً عن الأمان والفرص ومستقبل أفضل لأبنائهم.
فقد جاء الإيطاليون واليونانيون بعد الحرب العالمية الثانية، ووصل اللاجئون الفيتناميون عقب سقوط سايغون، ثم استقرت عائلات هاربة من حروب البلقان، قبل أن تنضم إليهم في العقود الأخيرة جاليات من أفريقيا والشرق الأوسط وآسيا، لتضيف جميعها خيوطاً جديدة إلى النسيج الأسترالي.
والمفارقة اللافتة أن الهجرة والتعددية الثقافية أصبحتا من أكثر القضايا إثارة للجدل السياسي، في حين أن عدداً من أبرز أبطال أستراليا الرياضيين هم أبناء مهاجرين ولاجئين.
ورغم أن قصصهم لا تقدم حلولاً لكل النقاشات المتعلقة بسياسات الهجرة، فإنها تذكرنا بحقيقة مهمة، وهي أن الوافدين الجدد اليوم هم الأستراليون الذين سيصنعون مستقبل البلاد غداً.
ويمكن رؤية هذه الحقيقة في كل مكان؛ في الأحياء السكنية، وأماكن العمل، والمدارس، كما تظهر في الأطباء والمعلمين والحرفيين ورجال الأعمال الذين يسهمون يومياً في بناء المجتمع الأسترالي.
لكن خلف لاعبي كرة القدم الذين يحظون بالأضواء، يقف آلاف الأستراليين الآخرين ممن سلكوا الطريق نفسه، وأصبحت حياتهم جزءاً لا يتجزأ من حياة الوطن.
وتبدأ هذه الرحلة عندما تستقر العائلات في أحياء جديدة، ويدخل الأطفال مدارسهم للمرة الأولى، ثم تمتد إلى أماكن العمل، والأندية الرياضية، والمؤسسات المجتمعية، حيث تنشأ الصداقات بين الثقافات المختلفة، وتتحول الأحياء تدريجياً إلى أوطان حقيقية.
ومع مرور الزمن، يصبح ما كان يبدو استثنائياً أمراً عادياً. فالعائلة الجديدة تصبح جزءاً من المجتمع، ويكبر الأطفال بلهجة أسترالية، وتظهر أسماء جديدة في الفرق الرياضية المحلية، وتتنوع الأطعمة في احتفالات المدارس، وتدخل كلمات وعادات جديدة إلى الحياة اليومية، بينما تتعايش التقاليد الجديدة مع القديمة بانسجام طبيعي.
وتزخر أستراليا بمثل هذه القصص. فقد جاء الإيطاليون واليونانيون والفيتناميون والكروات واللبنانيون وغيرهم وهم يحملون ذكريات أوطانهم وأحلامهم بمستقبل أفضل.
وسلكت أجيال أحدث الطريق ذاته، رغم اختلاف الثقافات والظروف، لكن النهاية غالباً ما كانت واحدة…
فالبلد الذي منحهم الفرصة أصبح وطنهم.
وربما لا يدعو ذلك إلى الاستغراب، فالأشخاص الذين فقدوا وطناً يعرفون جيداً قيمة العثور على وطن جديد.
ومن يجد مكاناً ينتمي إليه، نادراً ما يعتبر ذلك أمراً مسلماً به، بل يسهم في خدمة مجتمعه، ويشارك في بنائه، ويصبح مع مرور الوقت جزءاً من قصة الوطن نفسه.
وأحياناً تتجسد هذه القصة في جهود المعلمين، والممرضين، والحرفيين، وأصحاب الأعمال، والمتطوعين.
وأحياناً أخرى…
تظهر مرتديةً القميصين الأخضر والذهبي، ممثلةً أستراليا بكل فخر على الساحة العالمية.



